Monthly Archives: October 2009

عن الشوق و الغياب و مآرب أخري


شوقي إليك أعرفه في تلك الفجوة في صدري التي لا تلتئم إلا بضمة لن أحصل عليها قريبا
أعرفه في هذا الولع بتضفيرك بأيامي ، فلا أكتفي بك حاضرا و آتيا ، بل أقحمك في حكايات الأيام الفائتة ، كحكاية منسية من حياة أخري عشتها معك دون أن أعرف أنك أنت أنت ، ، هو رغبتي التي لا تخمد في أن تسكن داخلي ، أن تذوب بين ضلوعي وينتهي العالم ويبدأ هنا ، و أن تعود صغيرا صغيرا داخل رحمي  وأتكور أنا هناك فوق ضلعك الأيسر ربما أستعيد سكينتي..
و أعرف غيابك في تنفسي الذي لا ينتظم إلا حين أشم رائحتك ولا أكتفي .. أعرف غيابك حين ترحل فأظل أستجدي ملابسي و جلدي ربما علق بها منك ولو قليل…ء

أعرف شوقي إليك في الوقوف الطويل الغير معتاد أمام المرآة و احتضان جسدي بحب فقط لأنه يجيد احتوائك ، و أعرفه حين أسألها عن التشابه بيننا فتقبّلني المرآة وتخبرني أن لنا نفس الابتسامة
و أعرف الغياب حين تبتعد ملامحك ، و وتتوه مني فلا أشبهك
أعرف غيابك في شوارع المعادي التي صارت غريبة عني تنكر خطواتي المرتبكة ، أعرفه في الأشجار الضخمة التي تكبر يوماً بعد يوم و تتحول إلي أشباح تليق بفتاة مثلي لديها رصيد تاريخي من الكوابيس، وعلي الناصية تبدو العيون أكثر اتساعًا وعدائية ، أعرف غيابك في صوت الكلاب الذي صار أعلي و كأنه خُلق لي وحدي ، و أنا فقط أبحث عن ذراع  دافئة تلتف حول كتفي ..
أعرف غيابك في جوعي الليلي لأن أحلم بك..حلم واحد فقط من هذه الأحلام التي تبدو فيها ملامحك أوضح ، أسوأ ما في الغياب أن أبحث عن ملامحك فلا أجدها ، أسوأ ما في الغياب أن أبحث عنك في الصور و الأوراق  ..ككل الغائبين …أن أحاول استعادة ملامحك منها تماما كما أفعل مع الصورة الوحيدة لأبي
أعرف غيابك في هروبٍ غير مبرر من وسط البلد و المولات و شوارع الزمالك الخلفية و كل الأماكن التي يمكن أن أصادف فيها كفاً متشبثة بكف ، و أنا لا أملك سوي كفي  الفارغة تتحسس دبلتك كأنها تعويذة ضد البعاد
أعرف الشوق في الأوقات التي أقضيها في ابتكار الألوان و اللغة  و الأصوات ، و الأيام التي لابد ستشبهنا ، أعرف الشوق في الجنون الذي يحولني فجأة لجنيتك الصغيرة الخاضعة لرغباتك ، و في المتعة المجنونة التي تجتاحني حين تسميني مليكتك وتذوب بين كفي فأتمني أن أذيبك أكثر
و أكثر
ثم أذوب داخلك
أعرف الشوق في رغبتي غير المفهومة في أن أصير خيط العرق الدقيق الملتمع في جرح جبينك ثم أسير ببطء ..ببطء حتي أستقر بين حاجبيك

Advertisements

من رسالة الغربة لأبي حيان التوحيدي


هذا وصف غريب نأى عن وطنٍ بُني بالماء والطين , و بعد عن آلافٍ له عهدهم الخشونة واللين , ولعله عاقرهم الكأس بين الغدران والرياض , واجتلى بعينه محاسن الحدق المراض , ثم إن كان عاقبة ذلك كله إلى الذهاب والانقراض , فأين أنت عن قريب قد طالت غربته في وطنه , وقل حظه و نصيبه من حبيبه وسكنه؟! و أين أنت عن غريب لا سبيل له إلى الأوطان , ولا طاقة به على الاستيطان ؟! قد علاه الشحوب وهو في كن , وغلبه الحزن حتى صار كأنه شن . إن نطق نطق حزنان منقطعا , وان سكت سكت حيران مرتدعا , وان قرب قرب خاضعا , و إن بعد بعد خاشعا , وإن ظهر ظهر ذليلا , وان توارى توارى عليلا , وإن طلب طلب واليأس غالب عليه , و إن أمسك أمسك والبلاء قاصد إليه , و إن أصبح أصبح حائل اللون وساوس الفكر , و إن أمسى أمسى منتهب السر من هواتك الستر, و إن قال قال هائبا , وإن سكت سكت خائبا , قد أكله الخمول , ومصه الذبول , وحالفه النحول , لا يتمنى إلا على بعض بني جنسه , حتى يفضي إليه بكامنات نفسه , و يتعلل برؤية طلعته , و يتذكر لمشاهدته قديم لوعته , فينثر الدموع على صحن خده , طالبا للراحة من كده ’. و قد قيل : الغريب من جفاه الحبيب . وانا أقول : بل الغريب من واصله الحبيب , بل الغريب من تغافل عنه الرقيب , بل الغريب من حاباه الشريب , بل الغريب من نودي من قريب , بل الغريب من هو في غربته غريب , بل الغريب من ليس له نسيب, بل الغريب من ليس له من الحق نصيب . فإن كان هذا صحيح , فتعال حتى نبكي على حال أحدثت هذه النفوة , وأورثت هذه الجفوة: لعل انحدار الدمع يعقب راحة من الوجد أو يشفي نجي البلابل يا هذا ! الغريب من غربت شمس جماله , واغترب عن حبيبه و عذاله. و أغرب في أقواله و أفعاله ,و غرب في إدباره و إقباله , واستغرب في طمره وسرباله . يا هذا : الغريب من نطق وصفه بالمحنة بعد المحنة , ودل عنوانه على الفتنة عقب الفتنة , و بانت حقيقته فيه في الفينة حد الفينة . الغريب من إن حضر كان غائبا , وإن غاب كان حاضرا . الغريب من إن رأيته لم تعرفه , و إن لم تره لم تستعرفه . أما سمعت القائل حين قال : بما التعلل ؟! لا أهل ولا زمن ولا نديم , ولا كأس , ولا سكن . هذا وصف رجل لحقته الغربة , فتمنى أهلا يأنس بهم , و وطن يأوي اليه , و نديم يحل عقد سره معه , و كأس ينتشي منها . و سكن يتوادع عنده . فأما وصف الغريب الذي اكتنفته الأحزان من كل جانب , و اشتملت عليه الأشجان من كل حاضر وغائب , و تحكمت فيه الايام من كل جانب وذاهب, و استغرقته الحسرات على كل فائت وآئب , و شتته الزمان و المكان بين كل ثقة و رائب , و في الجملة , أتت عليه أحكام المصائب والنوائب , و حطته بأيادي العواتب عن المراتب, فوصف يخفى دونه القلم ويفنى من ورائه القرطاس , ويشل عن بجسه اللفظ , لأنه وصف الغريب الذي لا إسم له فيذكر , ولا رسم له فيشهر , و لا طي له فينشر , ولا عذر له فيعذر , و لا ذنب له فيغفر , و لا عيب عنده فيستر . أيها السائل عن الغريب محنته ! إلى ههنا بلغ وصفي في هذه الورقات . فان استزدت زدت , و ان اكتفيت اكتفيت , والله أسال لك تسديدا في المبالغة , و ليا تأييدا في الجواب , لنتلاقى على نعمته , ناطقين بحكمته , سابقين الى كلمته . يا هذا ! الغريب في الجملة من كله حرقة , و بعضه فرقة , وليه اسف , ونهاره لهف , وغذاؤه حزن , عشاؤه شجن , وآراؤه ظنن , وجميعه فتن , و مفرقه محن , وسره علن , و خوفه وطن . الغريب من إن دعا لم يجب , و إذا هاب لم يهب . الغريب من (( إذا )) استوحش استوحش منه : استوحش لأنه يرى ثوب الأمانة ممزقا , واستوحش منه لانه يجد لما بقلبه من الغليل محرقا . الغريب من فجعته محكمة , و لوعته مضرمة . الغريب من لبسته خرقة , واكلته سلقة , و هجعته خفقة . دع هذا كله ! الغريب من أخبر عن الله بأنباء الغيب داعيا اليه . بل الغريب من تهالك في ذكر الله متوكلا عليه , بل الغريب من توجه الى الله قاليا لكل من سواه . بل الغريب من وهب نفسه لله متعارضا لجدواه . يا هذا ! أنت الغريب في معناك .

أبو حيان التوحيدي

%d bloggers like this: