Monthly Archives: November 2012

خاتمة


مرة أخيرة..كنت اعرف انك ستخذلني .ولن تأخذ الأمر بجدية كافية إلا بعد تمامه

محاولة للفهم


ماحدث أنني قررت التوقف عن الاحتفاء بالتفاصيل ، بالبهجة و الفراشات ، قلت لنفسي التفاصيل لا تهم أحدا ولا تضيف جديدا لوجه العالم، و الفراشات المتناثرة أخف من أن نكتب عنها ، و فنجان القهوة سيحمل نفس الطعم في الكوب الزجاجي أو في الفنجان المزركش طالما أنني أستعمل نفس البن كل يوم ، ثم كففت عن تأمل وجهي في المرآة ، كففت عن مراقبة السنوات في عينيَ ، وكففت عن التقاط الصور ، وكففتُ عن مراقبة الفراشات و البحث عنها حين علمت أنني لست فراشة ،أنا امرأة بشعر أجعد وشفاه مرهقة وقدمين ملتصقتين بالأرض ، وتوقفت عن التقاط التفاصيل السحرية التي تجمعنا حين عرفت أن السحر لن يحول دون خيانة الروح، وتوقفت عن الكتابة تماما حين عرفت أنه لا جديد أن القصيدة لن

تجرى ع الاسفلت

ولاترمى حجر

ولافوق اكتافها راح تحمل شهيد(*)

لكنني لا أجيد شيئا آخر ، ليس لديَّ ما أقدمه للعالم ، وتوقفي عن استدعاء أجنحة الفراشات الهشة لم يمنحني أجنحة أقوى ،لم يمنحني سوى ذراعين هزيلتين لا تقدران على دفع عربة السوبر ماركت دون مساعدة منه ، صرتُ أملأ عربة السوبر ماركت بأشياء لم أكن أحبها ، أنا لا أحب البنطلونات الجينز الضيقة ، أحبها واسعة وخفيفة ، أحب الكتان أكثر من أي شئ في العالم ، لا أحب العقود و الأساور التي تحمل اللون الذهبي ، ولم أكن أريد أن أتزوج بدبلة صفراء ، كنت أريد خاتما من الذهب الأبيض بأحجار صغيرة ، أو دبلة منقوش عليها عبارتنا السحرية التي تعرفها أنت فقط ، أنا لا أحب كريمات الأساس ، ولا الألوان الترابية ، أحب شراء الأحذية و الحقائب ولا أجد هنا أبدا ما يرضيني ، أكثر ما أكرهه في العالم هو الملابس التي تحمل نقشة النمر وأشتاق كثيرا إلي تنورتي الزرقاء الكتانية التي تخليت عنها  لأنك لم تحبها ،أنا أشتاق للبهجة و للغناء ، للشغف ولروحي وللكتابة التي ترضيني ،أفتقد السحر و الألوان و الفراشات و المجازات .

أكثر ما أفتقده هو المجاز ، قدراتي السحرية القديمة على التشبث بالمجازات حتي تصير حقيقة ، المجاز الذي رفع قدماي سنتيمترات عن الأرض حين لامستُ كفك للمرة الأولي ، المجاز القديم الذي جعل صوتي يشبه الغناء حين أحكي ، المجاز الذي جعلني لا أسقط حين فقدت الوعي ، كل ما في الأمر أن الألوان انسحبت قليلا ثم عادت ، أين انفلت المجاز من كفي ، وتركني هكذا متشبثة بالتراب ، كتفي مثقلة بالصمت ، و عيني تفتقد الألوان ،وأنا أطبقت كفي علي الفراشة فهشمت جناحها الأيسر ،لم أعد أريد النسيان، فأنا أتصالح مع مراراتي مرة بعد أخري

أنا فقط أريد أن أستعيد مجازاتي التي كانت تعاونني على المسير ، وجناحيْ الفراشة، صوتي الذي أعرفه ،وملامح وجهي ،و لون اللؤلؤ
—————————————-
(*) عبد الرحمن الأبنودي

ملعون أبوها الحمامة أم غصن زتون


الصخر لو ينفجر .. النبع ايه ذنبه؟؟

سباق فى ساحة.. ما بين انسان و بين قلبه

مادام لموت احمل السيف اللى بتحبه

و اذا اندفعت اندفع و اذا ان وقعت تسد

طول عمر وطنك بيحلم تبتدى حربه

وجّى يا بلد الحرايق و اصرخى بجنون

و احرقيها مدن و كروم و ناس و سجون

ملعون ابوها الحمامة ام غصن زيتون

معمولة لجل الضحايا يصدقوا الجلاد

يا ايد يا متكتفه

يا ضهر يا منجلد

يا طفل مين  ورثك الاحتمال و الجلد؟

يا طفل بهموم رجال

يا بنت قبل الولد

يا ارض تطرح حصى .. يا قلوب بتطرح عند

مين اللى قال الكلاب تسكن عرين الاسد

طلع مش مهم السلاح

طلع يغنى عنه الحجر

طلع مش عويص الكفاح مادام فيه ارادة و بشر

طلع مش بعيد الصباح و مستنى خلف الشجر

و منين اجيب ناس لمعناه الكلام يتلوه؟

اذا كنت باجى اقوله .. نص عقلى يتوه؟

فمنين اجيب ناس لمعناه الكلام يتلوه؟

الكلام مش مستجيب

والصمت عار

والمسافة بعيدة بين الفعل و القول البليد

لكن نحااول

لا قصيدة هاتجرى ع الاسفلت

ولاترمى حجر

ولافوق اكتافها راح تحمل شهيد

ولا هاتبعد خطر

ولا هاتقرب بعيد

الكلام اخر المطاف هو الكلام

و الدم .. دم

القصيدة توصف الدم الزكى ماتشيلش نقطة

توصف الام اللى ماتت بنتها قدام عنيها

بس وصف! وصف جيد .. وصف خايب ..

وصف صادق .. وصف كاذب .. فى النهاية كله وصف !

كل شعر الوصف .. مايساويش فى سوق الحق صرخة

الكلام عن كل ده شئ م التطاول

انما .. لازم نحاول

القصيدة مشكلتها فى التناول

مشكلتها فى البداية و النهاية

مضامينها و شكلها و عديد من المسائل

القصيدة قصيدة .. بس الفعل فعل

هل نكف عن المحاولة؟ او نحاول؟

لو سكتنا .. يقولوا : ضاعوا !!

لو وقفنا .. يقولوا: باعوا !!

و اذا قلنا .. يقولوا فين الكلمة من رمية حجر ؟؟

صرخة قتيل ؟؟

ثورة الاطفال تخلى الشعر لو كان عبقرى .. وزنه قليل !!

يا رفاقة .. شعرنا ماهوش بخيل

اعذروا الشعراء اذا خرسوا النهاردة .. و اعذروا الكلمة اذا احتارت و دارت

النهاردة الغنوة للأفعال

و اعذروا العواجيز اذا صمتوا النهاردة .. و استكانوا للرقاد ف الصمت مدة

النهاردة الصرخة للاطقال

الكلام … مايشيلش جثة

الكلام … مافيهش دم

الكلام … مافيهوش هجوم ولا تراجع

الكلام .. مالوش لجان … الكلام ماهوش محاصر بالمدافع

لا دكاكينه بتقفل .. ولا تتسمم غيطانه

ولا قاطعين عنه نوره أو مياهه ..

ولا ممنوع م العمل  .. ولا مشلول بالحصار الاقتصادى

ولا بالغاز المسيل للدموع

ولا بيعانى عطش و يعانى جوع .. زى اصغر طفل ف الوطن المقاتل

نسكتوا ولا نحاول ؟؟

لأ نحـــــــاول

حبيبتى كل ما بنسى تفكرنى الحاجات بيكى

ائنك تدمعك عينى كأنى مش هغنيكى

دمايا متستهلش تكون كحلة ليله لعينيكى

و انا الدرويش ..

انا السابح بمسبحتى .. ومبخرتى .. و توب الخيش

اغنى لك .. و امول لك مواويلك .. ماتسمعنيش ولا تشوفينيش

ومش لازم مادام عايشة .. مادمت بعيش

وياما بيكى عقلى اتجن

وانتى الأنّ .. انتى الظن و أنتى قلمى لحظة فن

يا غنيوتى .. انا احزن اغانيكى

و انت الحلم .. اااه من حلم .. لا نسينى ولا نسيكى ..

يبيعوا اللون .. يغشوا الدم

يهدوا الكون

يشيلوا الكيف .. فى عب الكم

انا انفاسك الخضرا

وانا الجرح اللى فى جبينك

انا الخنجر فى شريانك .. و انا اللقمة فى ايد طفلك

انا قبرك و اكفانك .. وانا الشمعايا فى حفلك

انا الجاهل لكن باقرا .. و بفهم غاية النظرة

انا دارك وانا اهلك .. و انا وردك و انا نسلك

انا رغيفك و فرانه .. وحطب النار ..

وزيتونك و زتانه .. انا القاطف و انا العصار

و اسلامك و قرأنه .. و قلبى منشد الاذكار

انا العابد .. انا الزاهد ..

انا اللى يحب مايلومنيش

انا العاشق .. انا الدرويش

صلاة الثورة ماتفتنيش

ودم شهيدى و ضانى بماء تانى ..

بماء من نبع نورانى ..

فى قلبى مافيش فى اسرارى و لا حكاياتى – الا انتى

يا خيط النور .. يا كوة فى سور .. يا نور منظور .. يا خير محظور

انا الايد اللى مانعانى

انا الاًسر و انا المأسور

انا الغايب .. انا الدايب –صبابة- و الجناح مكسور

و انا التايب عن الماء الحرام و العيش

انا الدرويش .. ابو الدراويش

جناحات قلبى من غير ريش

انا الماشى و انتى الفكر .. انا المجنون فى قلب الذكر

و محتكر المحبة البكر ..

سكنتى ازاى كده فى عيشى؟

و نخششتى فى نخاشيشى؟

كأنك فيا مولوده و موجودة .. و مفقود حب مفقودة

و اغانيكى انا هية  .. على صدرى غيطان زعتر و “ميرامية”

ميرامية على صدرى

و يوم ما اموت .. تحشها و ترميها على قبرى

انا المنقوش فى كفينك .. يا موشومة على صدرى

يا كبشة عطر ريحانى .. يا صوت دمى اذا يسرى

ولا يفصلنا يوم فاصل و ده الحاصل .. فماتلومينيش

ده انا الدرويش .. انا المقتول ..  انا المهبول .. انا اللى بادروش الدراويش

بفرق جرحى ع الثوار .. و اكفن ميتى .. بنوار

وفى صفوفك تلاقينى افرق عيش

ماتحرقشى عبايتى النار ولا اللحية

و من حارة الى حارة .. و من شارع الى شارع .. و من ناحية الى ناحية

يقابلنى العدو برصاص

اقوم نافضه من الجبة الرصاص و ارميه كأنه قش

قلوب الاوليا نيتها لا تتغش

انا الدرويش .. ماينقصنيش فدا و اخلاص

والرجعه ماتنفعنيش

صورتها تطل م الطاقة ..

عيوتها السودا عشاقة  .. و مشتاقة  ..

و انا الدرويش بانزف دم  .. وسع لى الطريق يا عم

و ماشى بجرحى مش مهتم

يا عرسى يا انتفا موتى  .. حبيبتى ساكنة فى صوتى

وماسك ايدها فى السكة .. تسابق خطوتى ضحكة

و لون الدم فى صدرى ماسكتنيش

و خلانى اعيش و اعيش

اعيش درويش يا درويشة 

يا درويشة و اموت درويش .. اعيش درويش

و امشى ادروش الدراويش

واغنى ادروش الدراويش

و اموت بادروش الدراويش

حبيبتى تعيش  .. حبيبتى تعيش  .. حبيبتى تعيش

عبد الرحمن الأبنودي 

حمدية


كل سمراء نحيلة ، تحمل فوق ظهرها ضفيرة ، وفي العينين ضحكة ، تدفعني للجري وراءها لمشاركتها مكعبات السكر قبل أن تغيب وتخدش في قلبي اسم حمدية.

جاءت إلى مدرستنا من آخر حدود الصعيد تحمل اسما (قديمًا) قِدَم  بشرتها السمراء الشاحبة ،اجتذب سخرية فتيات مدرسة المعادي الإعدادية لعدة أيام ، قبل أن يتناسوها تماما ويعودوا للانشغال بالمنافسة المعتادة التي لم يسمح لها جسدها الضئيل أو ملامحها العادية بأن تصبح طرفا فيها .
لم أقترب منها كثيرا ، فصول البنات في المدارس الإعدادية تنقسم عادة إلي دائرتين كبيرتين ودوائر أخري صغيرة تتماس دون أن تتشابك ، هناك دائرة فتيات الصف الأول ، يقضين حصص الموسيقى والرسم في عمل الواجب ، كي يجدن وقتا أكبر للمذاكرة في المنزل ،يتنافسن دائما على الكشكول الأكثر تنظيمًا ، و القدرة على الإجابة عن أكبر قدر من أسئلة المدرس . وهناك دائرة الصف الأخير ، تلمع أعينهن بالحكايات القادمة من خلف الأسوار البعيدة ، عن طعم أول قبلة ، عن لون مشد الصدر الأول ،و عن أكثرهن اصطيادا للمعاكسات و الغزل بالأمس، يقضين حصة الرسم في السخرية من أبلة كريمة (العانس ) السوداء ، وحصة الموسيقي في السخرية من ماكياج أبلة آمال الجميلة ومحاولة إثبات أن شعرها ليس أشقرا بطبيعته . بينما كانت حمدية تتقافز على الأعراف ، تقضي حصص الرسم في محاولات لا تنتهي لرسم (الأمل في توشكى )أو (الربيع الباسم)  و حصص الموسيقى في النشاذ ، و تتنافس مع نفسها علي توجيه أكبر قدر من الأسئلة للمدرس . لم أقترب منها أبدا كنت منشغلة بالتنقل المتتالي بين الدوائر في محاولات لا تنتهي، ربما جلَسَتْ إلى جواري مرة أواثنتين في دروس التقوية الخارجية أيام الجمع حيث كنا نتفنن في ارتداء ما يؤكد أننا كبرنا ، أذكر صندلي الأبيض الناعم الذي كان يلف ربلة الساق بإحكام فتبدو أجمل حين أصعد السلم بخطوات متسارعة أمام مدرس اللغة العربية ، الكعب العالي الذي صعد بجسدي إلى السماء ، وأضاف لخطوتي مزيدا من الاهتزازات المحسوبة ، خصلة الشعر المنفلتة من الحجاب ، ورفضي الحاسم لارتداء ملابسي التي تحمل صور شخصيات كارتونية ، والضحكة التي صار لها نغم يؤكد (أنا كبرت) ،بينما كانت حمدية بيننا تقفز بفستانها المنفوش المذركش بالبهجة لتؤكد على حقيقة واحدة أننا جميعا سنكبر ، وستبقي وحدها صغيرة بالخلف .
أصيبت حمدية بخراج صغير في ذراعها ، كان مؤلما بعض الشئ ، ربما سمعتها تخبر سارة في الطابورأنها ستتغيب يوما لتذهب للكشف في التأمين الصحي ، لم أهتم ولا أعتقد أن سارة قد اهتمت.
لم ينتبه أحد لغيابها ، ربما فقط حين التفتت المعلمة لتكرار اسمها بشكل يومي في كشوف الغياب لشهر كامل ، أدركنا أننا لم نرها منذ شهر .
عرفنا أن طبيب التأمين الصحي أعطاها (أدوية غلط) أثرت بشكل غامض على المخ وأصابتها بفقدان جزئي للذاكرة ، ربما حاول مدرس العلوم أن يشرح لنا العلاقة المتشابكة بين القشرة الخارجية للمخ و الذاكرة ، كمحاولة لتذكيرنا وتذكير نفسه برسالة الماجستير التي لم يتمها أبدا ،لكنه لم يستطع أن يشرح لنا العلاقة بين خراج صغير أعلي الذراع وذاكرة طفلة .

       ربما جمعنا بعض النقود وذهبت مجموعة منا لزيارة بيت حمدية ، ربما امتنعنا جميعا بعدها عن الذهاب للعلاج في عيادات التأمين الصحي ، لكن الأكيد أننا تناسينا الأمر بعد عدة أيام ، حتي قرر أحد الأطباء أن مقابلتها لزميلات المدرسة وقضاء يوم دراسي عادي قد ينشط ذاكرتها بعض الشئ .جاءت حمدية بعيون زائغة ، كانت تبدو أصغر ، أصغر كثيرا من أي وقت ، نظرت لي فجأة وابتسمت ونطقت باسمي ، فرحنا جميعا والتففنا حولها وقد اعتقدنا أنها بدأت في التذكر ، أخذت الفتيات يسألنها : (طيب وأنا ..) (فاكراني..؟) ( أنا مين يا حمدية) لكنها لم تفعل سوى الابتسام وتأمل وجوههن وهي تردد اسمي ولم أفهم هذا الأمر أبدا.
كنا نسمع في الأيام التالية عن تدهور حالتها يوما بعد يوم ،أنها أضاعت اسمها..و ملامح أبويها ، ثم جاء ذلك اليوم الذي يجئ دائما ، حين دخلت إلي الفصل لأجد الجميع يبكي ، وعرفت أن حمدية ستبقي وحدها صغيرة جدا في الخلف بفستانها المذركش تنادي اسمي بذاكرة مثقوبة وخراج في أعلي ذراعها سينفجر في وجه العالم.

%d bloggers like this: