Monthly Archives: March 2017

صورة


أختبيء في المنزل حتى تختفي بقع الحليب عن ملابسي وتكف عن وصم ثديي (خُلِقا للأمومة لا للمتعة)،أخبيء إبر الكروشيه والحفاضات وكتاب (الماث) وباسم وبسمة، أخفي أطفالي داخل خصلات شعري وأحاول أن أجعله أكثر تموجا كي لا يتعرف عليهم أحد.

تخبرني فتاة أقابلها للمرة الأولى عن إعجابها بتموجات شعري، أبتسم ولا أخبرها عن أطفالي المختبئين داخله، ولا عن المشانق المغزولة من خصلاته الخشنة.

في صوري يظهر ركن القهوة الصغير على يسار المطبخ.. الرف الأنيق الذي يحمل ماكينة القهوة الأمريكية التي اقتنصناها من الخليج، والفناجين  الأنيقة المعلقة.. صورة لطيفة تصلح للانتشار على تامبلر بعد التأكد من تنظيف الأتربة جيدا عن الرف وإضافة إناء النباتات الملون الذي نجحت أخيرا في زراعته، أما محاولاتي البائسة لاستنطاق الطماطم و الفلفل و الشعير والنعناع لخلق أصدقاء خضر اللون فستختفي خارج الإطار، من الذي قد يرغب برؤية صورة لبذور نصف منبتة تقبع في برطمانات زجاجية؟

أو امرأة تنظف البط، أو تغرق يدها داخل خلطة المحشي؟

يد لم تعد تحتفظ بهشاشة أصابع عازفي البيانو لكنها أقل صلابة من أن تخدش يدك في السلام. يد تعد انحناءاتها بلذة كاملة لكن الخاتم حول البنصر الأيسر يعتذر(تُقدَّم حصريًا في فراش الزوج). أخفي البقع البنية التي خلفها تقطيع الباذنجان أعلى أصابعي خلف طلاء الأظافر البراق وكريمات الترطيب التي تَعِدُ بروائح الجنة ولا يستمر أثرها سوى لدقائق.

 

ورشة الرقص- اليوم الأول


-هل يمكن أن يتحول الشيء الذي طالما اعتقدت أنه إحدى نقاط ضعفك إلى مصدر من مصادر قوتك؟
-لأجسادنا ذاكرة لا تنسى أبدا، تخزن كل شيء.. نحن فقط نحاول أن نصنع ذاكرة جديدة، فهل نطمس ما سبق أم نحاول استحضاره أمام الضوء و التصالح معه، هل التصالح ممكن أم أنه مجرد مسكن وقتي يمنعنا من الانتحار؟
لماذا أخاف من أن أقوم بلمس الأجساد الأخرى أكثر من قيامها بلمسي؟
– المرآة تضيق الرؤية وتمنع جسدي من التحرك بحرية.

زجاج


ببطء أكتشف أثر السنوات الخمس الماضية، أمضي غير واعية كأني مخدرة أشاهد الصور من حولي دون أن أداعبها، وكأنني احتفظت بشرنقتي الزجاجية التي بنيتها بيني وبين بلاد الرمال وعدتُ بها معي.
أتذكر جيدا تلك الأمسية التي كنا نجلس فيها في حديقة قريبة من المنزل في الرياض، كنا نقترب من العودة النهائية وكنتُ أفكر في السنوات التي مضت حين اكتشفت أني لم أصادق في تلك الأرض شجرة ولا طريقا، وأني كففتُ عن اختيار الموسيقى التي أرغب في سماعها وصرتُ أكتفي بسماع ما يقابلني على الصفحة الرئيسية ل(ساوند كلاود) أو ما يختاره أحمد ويتسلل إليَّ من سماعات السيارة. أني لم أعد أرغب في مشاركة أي شيء يخصني على صفحات التواصل، لا أريد رسم صورة حقيقية أو متوهمة..أريد الاختفاء خلف الزجاج وتربية فتياتي وقضاء الوقت في غزل الخيوط والرسم وكل ما يبتعد بي عن التواصل مع العالم. لم أصادق شيئا في هذه الأرض، قضيت الوقت في بناء الجدران الزجاجية لتحميني من التحول لشخض أعرف أني لم أرد أن أكنه. جدران زجاجية تحميني من ألوان النيون، وبرودة المولات، والتنزه بين المطاعم. جدران زجاجية تحميني من معارف حاولت قدر إمكاني حفظ المسافات بيني وبينهم كي لا يتحولوا إلى صحاب.
لكنني هنا والآن أكتشف أنني احتفظت بجدراني حين عدت، الأصدقاء اعتادوا على المسير من دوني  وأنا فقدت قدراتي على تكوين صداقات جديدة، وجدراني تمنعني من التفاعل مع أي شيء. أدور حول نفسي طوال اليوم في أرجاء المنزل، أخبط رأسي في الجدران التي اخترتها بحرص كي أختبيء خلفها من عودة لم تتم.
لا أحد يعود بعد أن يرحل..بعد ما يقرب من عام ونصف من عودتي النهائية أعرف أني لن أعد أبدا. كلما حاولت كسر الزجاج من حولي حاصرتني الشظايا وحولتني لمسخ لا يشبهني، لا صورة لي تشبهني على الإطلاق أو تشبه ما أعرفه عني، لقد حماني الزجاج بالفعل من التحول إلى نسخة لا أريد أن أكنها، لكنه قطع لساني وقدرتي على مراوغة اللغة والأفكار، وأبعد الرفاق القدامى تماما. وترك نسخة جديدة لا تجيد الرد على الهواتف أو الاتصال بمندوبي خدمة العملاء.
كل ما أريده هو ثقب صغير في الزجاج ..شظية صغيرة أزيح بها التراب المتراكم دون أن أجرح يدي.
%d bloggers like this: