Category Archives: نقطة نور

مكان جديد


للحكايات المنزلية الصغيرة
https://dailycamellia.wordpress.com/

0


..ضباب أصفر سميك يبتلع كل شئ ولا يتسع لقلبك الصغير
يعرفني النصل البارد الذي ينغرس في أسفل الظهر ، القشعريرة التي تخرج من هناك لتلف الجسد كاملا وتتركه بعد أن يدرك بهدوء محله الإعرابي كمضاف بلا مضاف إليه واجب الحذف.ء
في منتصف الطريق أقف ، شحاذ حكايا أتلصص الحكايات من ألسن العابرين .ولا حكاية منهم تصلح لإطعام قلبٍ جائع
أحلامنا تنسانا عالقين في منتصف الطريق المزدحم بين الجامعة و الجيزة … الجيزة أبعد كثيرا من الرياض ، و الشوارع العفرة ونداءات سائقيالميكروباصات و الباعة الجائلين وثلث الساعة الأخير الفاصل بين الليل و النهار تعرف أحلامنا أكثر.ء
أحلامنا تنسانا ، في المسافة العالقة بين ثوب الزفاف و رداء المستشفي ، تلكزنا في المسافة الضيقة بين رضعتين ، ثم تنسانا تماما .ء

أبحث عنها حين يعض الخذلان قلبي كي أتكئ عليها ، فلا أجدها  و لا أجد أي شئ ، لا أحلام ولا حكايا ..قلب مجعد كورق الخريف ، ولسان عاجز عن إيجاد مجاز أقل ابتذالا من (قلب مجعد كورق الخريف)ء وكف عاجزة عن قطف الحكايات

أتلصص علي قلبي ، أجلس علي نفس العتبة الباردة التي اعتدت أن أسرق الحكايات منها في صغري ، بنفس القلم الرصاص الذي شهد كل شئ منذ اثنتي عشرة عاما ، وأرهف السمع ، الصمت قاسٍ و الوحدة بنت ستين كلب ، أنا أعرف ، لكن مانفع صوتي علي أية حال إن كانت المسافات تكفي لمنعه من الوصول إليك .قلبي ليس أصما تماما بعد ، الخذلان المتكرر يعصره فأقف وأدلي دلوي أنتظر مطر الحكايا ،ولا شئ بعد.ء

أحاول أن أخترع حكايات جديدة وأحلاما أخري أعرفها الآن ،فلا أستطيع ..تنقصني الجرأة

كل ما أحتاجه هو جرأة الدوران في الشوارع ، الدوران علي أطراف أصابعي ، و القفز في منتصف الطريق وإخراج لساني للعالم كما اعتدت أن أفعل دوما ، لقد صرت أخشي إخراج لساني للعالم كيلا يقصه أحدهم فأعجز عن التأكد من مقدار الملح في الطعام
قلبي لم يعد قادرا علي الفعل ، قدمي مقيدة بالأرض و خطوتي ثقيلة ، أقبض بكفي علي إبهامي كي لا تتسلل منه ضحكة صغيرة فتفسد انتظاما ظاهريا للخطوة ،أجرب الرقص أحيانا في الزاوية المظلمة قرب بيتنا ، تلك الالتفافة الصغيرة التي اعتدتَ أن تُقبِّلَ كفي فيها كي أطير …أتأكد ألا أحدا هناك ليراني ، وأحاول الرقص ، بلا جدوي ، أحاول أن أدور حول نفسي أحاول حتي أن أقفز ،ولا شئ …فأكتفي بمط ذراعي إلي الأعلي
وتحريك رقبتي في كل الاتجاهات لنفض التشنجات ، ودعك وجهي جيدا للتخلص من آثار الأحذية و الركلات ،و السهر المتوالي ، وأسرع كي أخرج للنور بالخطوة المنتظمة و النظرة الساكنة .
أنكر ذاتي كل يوم ،واللعبة لا تليق بي ، أنكر أحلامي حتي لم أعد قادرة علي التعرف عليها
وأوصي الصغيرة ، لا تنكري ذاتك يا صغيرتي ، لا ترثي هزائمي ، هزائمي ثقيلة وخفيفة ، أخف من أن أدعوها هزائم وأثقل من أن تترك لي فرصة السير في الشوارع بخطوة حرة
أحاذر السير في شوارع وسط البلد ، وتخشع الخطوة ، الدماء لم تجف بعد وقلبي الأبكم لم يعرف طعم الهتاف
نصف ساعة هل تكفي؟ نصف ساعة قبل استيقاظ الجميع وأخري بعد نومهم ،هل تكفي للتلصص علي القلب و التأكد أه ماال قادرا علي سرقة بعض الوقت للغناء ؟…نصف ساعة تكفي جدا فقط إن وجدت صوتا للغناء

حكاية بلهاء لا داعي لذكرها


لم أحك لك أبدا عن هذا الأمر ، لقد تفاجئت تماما حين شاهدت فيلم جيم كاري ، فقد لازمني في أحد فترات حياتي الاعتقاد بأن حياتي عبارة عن فيلم سينمائي طويل ، كنت أتخيل أن هناك كاميرات تراقبني طوال الوقت ، فأحرص علي أن تحدث الأشياء تماما كما ينبغي ، أنطق الحروف بمخارج عميقة كما ينبغي للحروف أن تنطق، أمنح صوتي ألوانا مميزة تتبدل حسب الإيقاع ، و أغرق العبارات بالمجاز ، أبتسم ملء الابتسامة وأضحك حتي آخر ذيل الضحكة وأمنح كل نظرة معناها .أفرح فتتحول اللقطة من حولي ،تزدهر الإضاءة و تبدو الأشجار في الطريق من الجامعة للجيزة ملونة أكثر ، وتنبعث موسيقي من مكان ما خفي . وأغضب فأشتعل حتي أشم رائحة الحريق ، ويتحول لون العالم إلي البني ، العالم من حولي ستوديو واسع تتلون ديكوراته حسب إيقاع رقصتي .أردد أني حزينة اليوم ، فتمطر السماء ويصحبني المطر حين أقرر أن أتابع السير من الجامعة إلي المعادي علي قدمي الصغيرتين وتتبدل الأغاني في الخلفية بما يناسب مزاجي طوال الطريق .
كان حابي يحكي لي كل شئ ، لم يخف شيئا أبدا ..حين سرتُ إلي جوارالنيل مع أول فتي أحببته ، أخذ يحدثني عن الفراعنة وعبادتهم للنيل ، عن الشعب المصري ذي الفطرة المتدينة الباحث دوما عن إله ثم عن حبيبته الأولي التي أخبرته أنه يشبه النيل ، في طرف الكادر كان هناك صغير أسمر يرفع طرف جلبابه ليقض حاجته في وجه حابي ، ابتسمت وأخبرته أن المصريين لديهم دائما القدرة علي التبول في وجه آلهتهم.
في كل صباح كنت أختار تيمة يومي، كانت لدي العديد من الحيل السحرية الصغيرة التي أستخدمها لتغيير العالم من حولي، أرتدي ثوبا ورديا بفراشات ملونة ، فتخرج الفراشات من ثيابي و ترافقني في الطريق ، و تحط علي أكتاف المارة فيبتسم الجميع ، ويصبح نهاري أبيض كما يخبرني سائق الميكروباص ويمنحني حابي قبلته الصباحية.
مكحلة خشبية صغيرة من أسوان كانت كافية لتمنح قلبي قوة الجنوب أخبر المرآة أني أجمل ملكات العالم فتبتسم المرآة وتغمز لي ،ويذوب قلب الفتي بين عيوني .
أرتدي كوفية زرقاء تحمل رائحة قديمة ، وسلسلة فضية أحمل فيها قوقعة أحضرها البحر من الأسكندرية ، فيشم اللوز في عيني غادة حنين قلبي .
أغرق شعري وجسدي بزيت الزيتون فأجدني في فلسطين .
لا أعرف متي اختفي السحر ، متي اختفت الكاميرات وانطفأ البريق في عيني ، فجأة أصبحت وحدي علي المسرح بلا جمهور .
أعرف الآن أن كوب اللبن الرايب وثوبي الكتاني المريح لن يجعلا اليوم طيبا ، وصابون برائحة التوت لن يحملني إلي الجنة ، وكل زيتون العالم لن يأخذني لفلسطين .أنا أبعد ما أكون عن الأسطورة ، أنا عادية مثل كل النساء المحبوسة خلف الزجاج .لم أعد صغيرة ، لقد كبرت كثيرا ، صرت أما تثقل الهالات أسفل عينيها و الشروخ قلبها .
لم أحك لك أبدا شيئا من هذا ، أنا كأي امرأة محبة آتي لك بحكايتي فأنسي وأذوب في سطور حكاياتك ،وتبتعد عني حاملا كل الحكاوي وتتركني وحيدة كدمية خشبية.

اعتراف



أمي فتحت لي بابًا لا تعرف ما بعد عتبته وقالت لي اذهبي و الله يحرسك
أمي علمتني لغةً لم تعرف أبدًا كيف تتحدثها
أمي منحتني الورق و أقلام الحبر دون أن تتعلم القراءة أو الكتابة
أمي علمتني الألوان وهي كفيفة البصر
…..
..
أمي منحتني مفاتيح العالم ، وأنا أخذلها كل يوم

لك أنت


أنا فراشتُك الزرقاء الصغيرة
فعلِّم كفَّك أن تحتضنني
…..

دون أن تُهشِّمَ أجنحتي!

3


اللهم لا اعتراض علي قضاءك،فقط اجعله سببا لوصل مابيننا ولا تجعله سببا لخراب…أبتعد حتي أظن أني نسيت،أني فقدتك،فيعصر قلبي البرد كي أتذكر الطريق وأجري إليك لتربت علي قلبي وتعده للحزن القادم،يارب أعرف ربتة المواساة وأعرف حزن قلبي ..يارب إن شئت حزنا للقلب فلا تحرمه من رحمة مواساتك ،وإن شئت فراقا عن حبيب فاجعل في فراق الأحبة قربا منك ،يارب ليس لي سوي قلب يبتغي وصالك و أحباء قلائل وعقل شقي بالجهل والتعلق،فإن قضيت علي فراق أحبائي فلا تذهب عقلي بالفراق،وإن قضيت بذهاب العقل والأحباء فلا تتركني دون وصال واحفظ مابيني وبينك

“عسي الله أن يأتيني بهم جميعا”


أنت نصفُ ما أنت، ونصف ماكنتَ قد وقعَ رويداً، لا أجمل مما تركتَ، ولا أجملُ مما احتفظت به؛ لولا وقوع نصفكَ الأجمل من نصفك الأجمل، لأن التضادَ هو كمالكْ، والتضادُ احتفاظك بنفسكْ، صوناً لها عن جرِّ الأيامِ لروحكْ. فاحتفظتْ بحب الصعودِ دون اللينْ، وطُرُقِ الوصولِ دون شفافية الرؤية. فحتى عندما وقع النصف الأجمل من النصف الأجمل لم ترفع رايتك البيضاء، فأضحكتْ أكثر مما يجب وأكثر من حاجاتك الماسة للربت على كتفيكْ. فكنت السائر على الحبل الذي زاد وزن يمينه عن شماله، فتشبثت قدماه أكثر بالحبل حتى يكمل المسير أمام ناظريه، فكانت حركاتك مدعاة للضحك أكثر من وقوعٍ يكسر بدنك، وينجي روحك بربتة المواساة

من نص (وتركنا يوسف): أحمد كامل


،

هل كان هذا الطريق هباء
على شكل معنى، وسار بنا
سفرا عابرا بين أسطورتين
فلا بد منه، ولا بد منا

،،،،،،،،،،،

،،،،،،،،

لم يكن كافيا أن نكون معا
لنكون معا
كان ينقصنا حاضر لنرى
أين نحن . لنذهب كما نحن،
انسانة حرة
وصديقا قديما
لنذهب معا في طريقين مختلفين
لنذهب معا،
ولنكن طيبين

محود درويش : من قصيدة كان ينقصنا حاضر، ديوان : سرير الغريبة


“علي المرء أن يكون حاملا بعد لشئ من الفوضي كي يلد نجما راقصا ، أقول لكم : مازال لديكم شئ من فوضي في داخلكم . الويل ، الويل ! سيأتي زمن الإنسان الأكثر حقارة ، ذلك الذي لم يعد قادرا علي احتقار نفسه “ء

“لن يغدو الإنسان فقيرا ولا غنيا ، إذ كلا الأمرين مرهقان ، من تراه سيريد بعدها أن يحكم ؟ ومن سيطيع ؟ فكلا الأمرين مرهقان . ما من راع ، وقطيع واحد ! كل يريد الشئ نفسه ، و الكل سواء ، والذي يحس بطريقة مغايرة يقود نفسه إلي مأوي المجانين”

هكذا تكلم ذرادشت – كتاب للجميع و لغير أحد

نيتشة

ترجمة : علي مصباح

عن عدل النهايات


ربما تكون قاسية

مرة

حادة ..ومرهقة أحيانا

لكن في كل حالاتها

النهايات دائما عادلة

عن البيتزا و الفطائر التي نصنعها سويا


أسعد دائما حين تكون رائق المزاج وتقرر فجأة أن تعد لي بيتزا وفصيرة تفاح ، ليس فقط لأنني أحب وجودنا سويا في المطبخ ، ولا لأن صوتك يصبح أكثر بهجة حين يختلط بروائح الدقيق و الزيتون و التفاح ، وليس إكراما لتلك التقطيبة الصغيرة التي تظهر بين حاجبيك حين تنهمك في إعداد العجين

كل هذا يفرحني..لكن  حين أقف إلي جوارك لغسل الصحون بينما أنت تعد العجين وتتلامس ذراعانا صدفة فأنا -حرفيا- أطير

بين بين


الآن أعرف أنني اختبأت طويلا وراء المجاز حين لم يكن من الجائز أن أختبئ، أعرف أني خدعت لساني واستخدمتُ لغةً لا تخصني و مجازا بعيد المسافة عن الحقيقة ، وضمير مخاطب لم يكن الاختباء وراءه مجديا للأبد .ء

الآن أعرف أن الرحيل لم يحدث ،ربما لم يكن هنا أحد سواي ليرحل ..حسنا ها أنا أعود للعبث بالمجازات ،

هنا ..مجاز

الرحيل..مجاز

أنا و الياء في (سواي )محض مجاز لم يكن له وجود حقيقي في الصورة

تبدو الصورة الآن مختلفة حينما ابتعدت في الخلف ، التفاصيل التي كانت واضحة وقتها تبدو ضبابية ، وما لم أره من قبل أراه الآن ببعض وضوح قد يكتمل ،في البين بين مرة أخري ، لكنه(بين بين) جديد ، تبدو أيامي مؤخرا كأنها انتقال من (بين بين) إلي (بين بين)  إلي (بين بينٍ )آخر ،كلما ظننتُ أنني أنتقل من البين بين إلي مكان جديد أكتشف أنني فقط أنتقل إلي بين بين جديد، فقدت القدرة علي التمييز بينهما .ء

لم يرحل أحد من قبل ، من رحلوا بالفعل تشبثت بظلالهم واستبقيتها داخلي لأنني لم أقوَ أبدا علي الاعتراف برحيلهم ، ومن لم يرحل رحلتُ عنه وأسميته راحل لأنني لم أقوَ علي الاعتراف بأنني أيضا أقسو وأرحل ، والآن أزور أرض أحلامي يوما بعد يوم طلبا للغفران من راحل لم يرحل لأنني لا أملك القدرة علي أن أغفر رحيلي.ء

رؤيا


لا أريد من الراحلين محبةً  أو ذكري

….

أنا فقط أريد الغفران

أري ما أريد


أيها الشهداء قد كنتم على حقّ

لأن البيت أجمل من طريق البيت.. رغم خيانة الأزهار

محمود درويش -أري ما أريد


من رسالة الغربة لأبي حيان التوحيدي


هذا وصف غريب نأى عن وطنٍ بُني بالماء والطين , و بعد عن آلافٍ له عهدهم الخشونة واللين , ولعله عاقرهم الكأس بين الغدران والرياض , واجتلى بعينه محاسن الحدق المراض , ثم إن كان عاقبة ذلك كله إلى الذهاب والانقراض , فأين أنت عن قريب قد طالت غربته في وطنه , وقل حظه و نصيبه من حبيبه وسكنه؟! و أين أنت عن غريب لا سبيل له إلى الأوطان , ولا طاقة به على الاستيطان ؟! قد علاه الشحوب وهو في كن , وغلبه الحزن حتى صار كأنه شن . إن نطق نطق حزنان منقطعا , وان سكت سكت حيران مرتدعا , وان قرب قرب خاضعا , و إن بعد بعد خاشعا , وإن ظهر ظهر ذليلا , وان توارى توارى عليلا , وإن طلب طلب واليأس غالب عليه , و إن أمسك أمسك والبلاء قاصد إليه , و إن أصبح أصبح حائل اللون وساوس الفكر , و إن أمسى أمسى منتهب السر من هواتك الستر, و إن قال قال هائبا , وإن سكت سكت خائبا , قد أكله الخمول , ومصه الذبول , وحالفه النحول , لا يتمنى إلا على بعض بني جنسه , حتى يفضي إليه بكامنات نفسه , و يتعلل برؤية طلعته , و يتذكر لمشاهدته قديم لوعته , فينثر الدموع على صحن خده , طالبا للراحة من كده ’. و قد قيل : الغريب من جفاه الحبيب . وانا أقول : بل الغريب من واصله الحبيب , بل الغريب من تغافل عنه الرقيب , بل الغريب من حاباه الشريب , بل الغريب من نودي من قريب , بل الغريب من هو في غربته غريب , بل الغريب من ليس له نسيب, بل الغريب من ليس له من الحق نصيب . فإن كان هذا صحيح , فتعال حتى نبكي على حال أحدثت هذه النفوة , وأورثت هذه الجفوة: لعل انحدار الدمع يعقب راحة من الوجد أو يشفي نجي البلابل يا هذا ! الغريب من غربت شمس جماله , واغترب عن حبيبه و عذاله. و أغرب في أقواله و أفعاله ,و غرب في إدباره و إقباله , واستغرب في طمره وسرباله . يا هذا : الغريب من نطق وصفه بالمحنة بعد المحنة , ودل عنوانه على الفتنة عقب الفتنة , و بانت حقيقته فيه في الفينة حد الفينة . الغريب من إن حضر كان غائبا , وإن غاب كان حاضرا . الغريب من إن رأيته لم تعرفه , و إن لم تره لم تستعرفه . أما سمعت القائل حين قال : بما التعلل ؟! لا أهل ولا زمن ولا نديم , ولا كأس , ولا سكن . هذا وصف رجل لحقته الغربة , فتمنى أهلا يأنس بهم , و وطن يأوي اليه , و نديم يحل عقد سره معه , و كأس ينتشي منها . و سكن يتوادع عنده . فأما وصف الغريب الذي اكتنفته الأحزان من كل جانب , و اشتملت عليه الأشجان من كل حاضر وغائب , و تحكمت فيه الايام من كل جانب وذاهب, و استغرقته الحسرات على كل فائت وآئب , و شتته الزمان و المكان بين كل ثقة و رائب , و في الجملة , أتت عليه أحكام المصائب والنوائب , و حطته بأيادي العواتب عن المراتب, فوصف يخفى دونه القلم ويفنى من ورائه القرطاس , ويشل عن بجسه اللفظ , لأنه وصف الغريب الذي لا إسم له فيذكر , ولا رسم له فيشهر , و لا طي له فينشر , ولا عذر له فيعذر , و لا ذنب له فيغفر , و لا عيب عنده فيستر . أيها السائل عن الغريب محنته ! إلى ههنا بلغ وصفي في هذه الورقات . فان استزدت زدت , و ان اكتفيت اكتفيت , والله أسال لك تسديدا في المبالغة , و ليا تأييدا في الجواب , لنتلاقى على نعمته , ناطقين بحكمته , سابقين الى كلمته . يا هذا ! الغريب في الجملة من كله حرقة , و بعضه فرقة , وليه اسف , ونهاره لهف , وغذاؤه حزن , عشاؤه شجن , وآراؤه ظنن , وجميعه فتن , و مفرقه محن , وسره علن , و خوفه وطن . الغريب من إن دعا لم يجب , و إذا هاب لم يهب . الغريب من (( إذا )) استوحش استوحش منه : استوحش لأنه يرى ثوب الأمانة ممزقا , واستوحش منه لانه يجد لما بقلبه من الغليل محرقا . الغريب من فجعته محكمة , و لوعته مضرمة . الغريب من لبسته خرقة , واكلته سلقة , و هجعته خفقة . دع هذا كله ! الغريب من أخبر عن الله بأنباء الغيب داعيا اليه . بل الغريب من تهالك في ذكر الله متوكلا عليه , بل الغريب من توجه الى الله قاليا لكل من سواه . بل الغريب من وهب نفسه لله متعارضا لجدواه . يا هذا ! أنت الغريب في معناك .

أبو حيان التوحيدي

%d bloggers like this: