Category Archives: قصص قصيرة

حمدية


كل سمراء نحيلة ، تحمل فوق ظهرها ضفيرة ، وفي العينين ضحكة ، تدفعني للجري وراءها لمشاركتها مكعبات السكر قبل أن تغيب وتخدش في قلبي اسم حمدية.

جاءت إلى مدرستنا من آخر حدود الصعيد تحمل اسما (قديمًا) قِدَم  بشرتها السمراء الشاحبة ،اجتذب سخرية فتيات مدرسة المعادي الإعدادية لعدة أيام ، قبل أن يتناسوها تماما ويعودوا للانشغال بالمنافسة المعتادة التي لم يسمح لها جسدها الضئيل أو ملامحها العادية بأن تصبح طرفا فيها .
لم أقترب منها كثيرا ، فصول البنات في المدارس الإعدادية تنقسم عادة إلي دائرتين كبيرتين ودوائر أخري صغيرة تتماس دون أن تتشابك ، هناك دائرة فتيات الصف الأول ، يقضين حصص الموسيقى والرسم في عمل الواجب ، كي يجدن وقتا أكبر للمذاكرة في المنزل ،يتنافسن دائما على الكشكول الأكثر تنظيمًا ، و القدرة على الإجابة عن أكبر قدر من أسئلة المدرس . وهناك دائرة الصف الأخير ، تلمع أعينهن بالحكايات القادمة من خلف الأسوار البعيدة ، عن طعم أول قبلة ، عن لون مشد الصدر الأول ،و عن أكثرهن اصطيادا للمعاكسات و الغزل بالأمس، يقضين حصة الرسم في السخرية من أبلة كريمة (العانس ) السوداء ، وحصة الموسيقي في السخرية من ماكياج أبلة آمال الجميلة ومحاولة إثبات أن شعرها ليس أشقرا بطبيعته . بينما كانت حمدية تتقافز على الأعراف ، تقضي حصص الرسم في محاولات لا تنتهي لرسم (الأمل في توشكى )أو (الربيع الباسم)  و حصص الموسيقى في النشاذ ، و تتنافس مع نفسها علي توجيه أكبر قدر من الأسئلة للمدرس . لم أقترب منها أبدا كنت منشغلة بالتنقل المتتالي بين الدوائر في محاولات لا تنتهي، ربما جلَسَتْ إلى جواري مرة أواثنتين في دروس التقوية الخارجية أيام الجمع حيث كنا نتفنن في ارتداء ما يؤكد أننا كبرنا ، أذكر صندلي الأبيض الناعم الذي كان يلف ربلة الساق بإحكام فتبدو أجمل حين أصعد السلم بخطوات متسارعة أمام مدرس اللغة العربية ، الكعب العالي الذي صعد بجسدي إلى السماء ، وأضاف لخطوتي مزيدا من الاهتزازات المحسوبة ، خصلة الشعر المنفلتة من الحجاب ، ورفضي الحاسم لارتداء ملابسي التي تحمل صور شخصيات كارتونية ، والضحكة التي صار لها نغم يؤكد (أنا كبرت) ،بينما كانت حمدية بيننا تقفز بفستانها المنفوش المذركش بالبهجة لتؤكد على حقيقة واحدة أننا جميعا سنكبر ، وستبقي وحدها صغيرة بالخلف .
أصيبت حمدية بخراج صغير في ذراعها ، كان مؤلما بعض الشئ ، ربما سمعتها تخبر سارة في الطابورأنها ستتغيب يوما لتذهب للكشف في التأمين الصحي ، لم أهتم ولا أعتقد أن سارة قد اهتمت.
لم ينتبه أحد لغيابها ، ربما فقط حين التفتت المعلمة لتكرار اسمها بشكل يومي في كشوف الغياب لشهر كامل ، أدركنا أننا لم نرها منذ شهر .
عرفنا أن طبيب التأمين الصحي أعطاها (أدوية غلط) أثرت بشكل غامض على المخ وأصابتها بفقدان جزئي للذاكرة ، ربما حاول مدرس العلوم أن يشرح لنا العلاقة المتشابكة بين القشرة الخارجية للمخ و الذاكرة ، كمحاولة لتذكيرنا وتذكير نفسه برسالة الماجستير التي لم يتمها أبدا ،لكنه لم يستطع أن يشرح لنا العلاقة بين خراج صغير أعلي الذراع وذاكرة طفلة .

       ربما جمعنا بعض النقود وذهبت مجموعة منا لزيارة بيت حمدية ، ربما امتنعنا جميعا بعدها عن الذهاب للعلاج في عيادات التأمين الصحي ، لكن الأكيد أننا تناسينا الأمر بعد عدة أيام ، حتي قرر أحد الأطباء أن مقابلتها لزميلات المدرسة وقضاء يوم دراسي عادي قد ينشط ذاكرتها بعض الشئ .جاءت حمدية بعيون زائغة ، كانت تبدو أصغر ، أصغر كثيرا من أي وقت ، نظرت لي فجأة وابتسمت ونطقت باسمي ، فرحنا جميعا والتففنا حولها وقد اعتقدنا أنها بدأت في التذكر ، أخذت الفتيات يسألنها : (طيب وأنا ..) (فاكراني..؟) ( أنا مين يا حمدية) لكنها لم تفعل سوى الابتسام وتأمل وجوههن وهي تردد اسمي ولم أفهم هذا الأمر أبدا.
كنا نسمع في الأيام التالية عن تدهور حالتها يوما بعد يوم ،أنها أضاعت اسمها..و ملامح أبويها ، ثم جاء ذلك اليوم الذي يجئ دائما ، حين دخلت إلي الفصل لأجد الجميع يبكي ، وعرفت أن حمدية ستبقي وحدها صغيرة جدا في الخلف بفستانها المذركش تنادي اسمي بذاكرة مثقوبة وخراج في أعلي ذراعها سينفجر في وجه العالم.

ورا


هبة  نصر بشار .. سمراء ، صوتها عذب حين تتلو القرآن في الإذاعة المدرسية ، واسم أبيها يحمل لسامعه النصر و    البشري ، كان ذلك كافيا ، قلت لهبة في يومنا الأول أني سعيدة بالجلوس إلي جوارها ،أنني أحبها لأنها سمراء ولأن صوتها عذب ، لم أخبرها بأمر اسم أبيها ، احتفظت به كبشارة نصرٍ بعيد .ء

تأملتني بسخرية ، هزت كتفيها بتجاهل وقالت (لا تحاولي..لن تغشي مني  ) لم أفهم ..بدت واثقة وهي تؤكد أن سر حصولي علي درجات مرتفعة في السنوات الأربع الماضية هو أنني أغش ..دائما أغش ، أقسمتُ أنني لم أفعلها أبدا ، (لا تقسمي،كلنا نعرف ).ء

بدت  (كلنا) واثقة ..مدوية ، أعلي كثيرا من أن تترك لك فرصة للنجاة ، جدار عال رمادي كجدار غرفتي ..رفيق لعب الكرة الوحيد .ء

هبة سمراء ،وتقرأ القرآن كل يوم في إذاعة المدرسة ، وأنا صغيرة ، ربما كنتُ وقتها أصغر كثيراً من السنوات العشر التي أجيب بها من يسألني عن عمري، أصغر من أن أصدق أن السمراوات يكذبن . فجأة صرت أري كلماتها في أعين الجميع ..كل الأعين تحمل رفضا، سخرية ، طرفا من ظلم لم يكن ليدي الصغيرتين مقدرة علي دفعه لأن هبة أكّدت أن (كلنا ) نعرف.ء

بقامة قصيرة ونحيلة و حيلةٍ أقصر ، كان عليَّ أن أتضاءل كي يعرف الجميع أني لا أغش ، صرت أتعمد أن أخطئ في حل مسألة أو مسألتين ، أتعمد أن أخطئ في الإعراب الذي كنت أحبه ، وهكذا صرتُ في كل يوم أصغُر وأصغُر ، وهبة تكبر وتكبر. حتي جاء يوم حصلتُ   فيه علي 22 من 50 ، يومها ابتسمت هبة بشماتة وقالت أنها الآن فقط يمكنها أن تصبح صديقتي ،لكنني كنت أبتعد، أبتعد  بهدوء عن الصف الأمامي إلي الصفوف الخلفية ، بعيدا عن هبة ، عن وجهها الأسمر ، عن صوتها العذب ، و اسم أبيها الذي لم يحمل لي نصرا ولا بشري.ء

%d bloggers like this: